محمد محمد أبو موسى
191
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
وقد كانت للقاضي الجرجاني إشارات هامة انتفع بها عبد القاهر ومن جاء بعده من البلاغيين ، من ذلك حديثه في الفرق بين التشبيه البليغ والاستعارة ، فقد قال في هذا : وربما جاء من هذا الباب ما يظنه الناس استعارة وهو تشبيه أو مثل ، فقد رأيت بعض أهل الأدب ذكر أنواعا من الاستعارة عد فيها قول أبى نواس : والحبّ ظهر أنت راكبه * فإذا صرفت عنانه انصرفا « ولست أرى هذا وما أشبهه استعارة ، وانما معنى البيت : أن الحب مثل ظهر - أو الحب كظهر - تديره كيف شئت إذا ملكت عنانه فهو اما ضرب مثل أو تشبيه شئ بشيء ، وانما الاستعارة ما اكتفى فيها بالاسم المستعار عن الأصل ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها وملاكها تقريب الشبه ومناسبة المستعار له للمستعار منه وامتزاج اللفظ بالمعنى حتى لا يوجد بينهما منافرة ولا يبين في أحدهما اعراض عن الآخر » « 203 » وكان لهذا الكلام أثر بين فيما ذكره الجرجاني في هذا الموضوع وهو لم يخرج عنه في جملته وقد أفاد منه الزمخشري أيضا حين تكلم عن الفرق بين التشبيه والاستعارة ، ومن إشارات القاضي الجرجاني التي كان لها أثر بين في دراسة عبد القاهر قوله : « وللشعراء في التشبيه أغراض ، فإذا شبهوا بالشمس في موضع الوصف بالحسن أرادوا به البهاء والرونق والضياء ونصوع اللون والتمام ، وإذا ذكروه في الوصف بالنباهة والشهرة أرادوا به عموم مطلعها وانتشار شعاعها واشتراك الخاص والعام في معرفتها وتعظيمها ، وإذا قرنوه بالجلال والرفعة أرادوا به أنوارها وارتفاع محلها ، وإذا ذكروه في باب النفع والارفاق قصدوا به تأثيرها في النشوء والنماء والتحليل والتصفية ، ولكل واحد من هذه الوجوه باب مفرد وطريق متميز ، فقد يكون المشبه بالشمس في العلو والنباهة والنفع والجلالة أسودا وقد يكون منير الفعال كمد اللون واضح الأخلاق كاسف المنظر » « 204 »
--> ( 203 ) الوساطة ص 41 . ( 204 ) الوساطة ص 474 .